الجمعة، 10 أكتوبر 2008

بين المبادئ والمناصب بون ٌ شاسع !!!


بقلم / حسين حسن نرمو
h.nermo@gmail.com
( قلما نجد المرء يقاوم ويحافظ على طبيعته الأولية أمام المال والمنصب " السلطة " )
" المبدأ " ، كلمة ذا مغزى خاص وقيمة لا تُقدر بثمن لدى الأنسان المؤمن بها ، لذا نرى بأن الكثير من الناس يتسابقون ، يتصارعون ويعملون من أجلها ، عسى ولعّل الفوز ، ليلقبوا في الآخر ب " الأنسان المبدئي " ، كأن تكون في مجال السياسة أو حتى في مجالات أخرى . نعلم بأن لكل تنظيم سياسي أو غيره ، تستند على مجموعة من الأساسيات والمبادئ ضمن منهاج ونظام داخلي مُعد من قبل بعض المنظمين المختصين تحت لواءها وأحيانا ً من القانونين ، ليتم فيما بعد إعداد برنامج عمل لتطبيق المنهاج عمليا ً أو ميدانيا ً . في الشرق غالبا ً لا يطبق إلا جزء ٌ من المنهاج المكتوب على الورق من قبل هذا التنظيم أو ذاك وبنسبة ً أقل أثناء المشاركة في السلطة .
عراقيا ً وبعد أحتلال النظام البائد دولة الكويت في 2 / آب / 1990 ، ثم البقاء فيها متحديا ً المجتمع الدولي وقوات التحالف بأساطيلها البحرية التي جاءت إلى منطقة الخليج ، تلتها العمليات العسكرية من قبل تلك القوات ضد الجيش العراقي في الكويت والهجوم البري داخل العراق أيضا ً ، ثم قيام الأنتفاضة في معظم أرجاء العراق ، باتت الرؤية آنذاك واضحة بأن لا بد من رحيل النظام الدكتاتوري عاجلا ً أو آجلا ً ، أعادت المعارضة العراقية حينذاك تنظيمها بعد قمع الأنتفاضة والهجرة المليونية ، لتتكاتف جهودها وتلتقي في الخارج والداخل بالتنسيق مع الأحزاب الكوردستانية بعد حصول الأكراد على منطقة آمنة بقرار من الأمم المتحدة للتباحث حول كيفية العمل من أجل إسقاط النظام ، ألتقوا في مؤتمرات معروفة ، بدءا ً من مؤتمر " بيروت " ، مرورا ً بمؤتمر " صلاح الدين كوردستان " ، أنتهاءا ً بمؤتمر " لندن " نهاية عام 2002 ، خرجوا بتعهدات ، أتفاقات ومقررات للعمل من أجل العراق " عراق ما بعد صدام " ، من أجل رفع الغبن عن كافة مكونات الشعب المغلوب على أمره والذي أبتلى بالأنظمة الدكتاتورية المتعاقبة والقابعة على رقابه ، من أجل إرجاع الحقوق المغتصبة إلى أصحابها ، من أجل إلحاق المناطق المنسلخة إلى أصلها " كوردستان " ... ها وبعد أن أعتلوا الكراسي وأصبحوا في دست الحكم بعد التحرير والأحتلال ، نسوا المبادئ وتراجعوا في أكثرها ليزيدوا في آلام العراقيين ، ساعدوا على تشرد الملايين من الشعب منتمين لهذه الطائفة وتلك إلى خارج الوطن وحتى في الداخل أيضا ً ، نُهبت خيرة ثروات الشعب لصالح هذه الجماعة أو تلك ، نفذوا البعض منهم ولا يزال إملاءات أسيادهم على حساب البلد ومواطنيه ، لم يلتزموا بالدستور والذي تم صياغته على أيديهم وخاصة المادة 140 المتعلقة بالمناطق التي ناضلت القيادة الكوردستانية من أجلها كثيرا ً وكلفت دماء الكثير من الشهداء الأبرار وعلى مدى عقود من الزمن ، وجاءت مصادقة البرلمان العراقي مؤخرا ً على قانون أنتخاب مجالس المحافظات مغتصبين حقوق الأقليات في هذا البلد الذي عاشوا فيه آلاف السنين . إذن ! أين هي المبادئ من كل هذا والعراق مقبل على عصر الديمقراطية ؟؟
كودستانيا ً والذي يتابع ما وصل أو توصل إليه الأقليم من تقدم ٍ وزهو ٍ وأزدهار ٍ " وأستثمار ٍ كما يقال " ، كل هذا أستحصلت بنضال الشعب الكوردستاني وتضحياته عبر عشرات السنين من أجل المثل والمبادئ السامية والتي نجني ثمارها في هذا العصر " هؤلاء المناضلين والمضّحين كانوا من مختلف أطياف الشعب الكوردستاني منهم الأقليات القومية والدينية " ، ناضلوا وكما أشرنا على مدار عقود من الزمن على شكل جماعات أو تنظيمات سياسية ضد الأنظمة الدكتاتورية من أجل مبادئ وأهداف تعهدوا على تحقيقها بعد إراقة أنهر من الدماء ، لكن للأسف بعد كل هذا يرى المواطن الكوردستاني بأم عينيه ، بأن هنالك مَن أعتلى أو يعتلون مناصبا ً ، أو حتى الذين يتقاضون الأوراق الخضراء تحت يافطة ، تسميات ومسميات شتى ، منهم على غرار شيوخ التسعينات بدرجاتها في العهد البائد ، هؤلاء لم يكونوا في يوم ٍ ما من أصحاب المبادئ والقيم الوطنية أو الثورية الكوردستانية ، لا بل البعض الكثير منهم كانوا وربما لا يزال من ألّد الأعداء وشاركوا في قمع تلك القيم والمبادئ ، هؤلاء ساعدوا أيضا ً الأشرار في التنصت والوشاية للكثير من المناضلين الذين صفت بهم الدهر في أقبية وسجون النظام البائد ، ليتم أعدام الكثير من هؤلاء الأبطال على ايدي زبانية أسيادهم ، ربما تلك الأفعال لم يشفي غليلهم حينذاك ، لذا ساعدوا بشكل مباشر قوات النظام في العمليات العسكرية المشؤومة في الثمانينات من القرن المنصرم والتي أودت بحياة عشرات الآلاف من المواطنين الأبرياء العزل . إذن ! هؤلاء الذين ذكرناهم ، أ ُفسدوا في عصرهم " العهد البائد " ، ربما عملوا بعدها وأفلحوا في إفساد الآخرين ، لتطغي كفة المصالح والفساد على المبادئ والمثل والقيم ، حتى بات المواطن العادي يشعر بأن عصر المبادئ قد ولى ... ليحل محله عصر الأستغلال ، الأضطهاد ، المحسوبية ، الرشوة والفساد في أكثرية المرافق الحكومية والحزبية وهذا ما نأسف عليه ....

الجمعة، 29 أغسطس 2008

أزمة أختيار مدير عام شؤون الأيزيدية في أقليم كوردستان ... إلى أين ؟


بقلم / حسين حسن نرمو
h.nermo@gmail.com
أثارالزميل المهندس كامل خديده موضوعا ً مثيرا ً للجدل ومهما ً للغاية خاصة في هذه المرحلة حول عدم تعين مدير عام شؤون الأيزيدية في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية / أقليم كوردستان لحد الآن ، رغم صدور قرار بهذا الشأن من برلمان كوردستان عام 2007 ، نص الموضوع ، ترجمه إلى العربية الصحفي المبدع خدر دوملي والذي له باع طويل في الكتابة والمداخلات حول الشأن الأيزيدي ، آخرها المداخلة المنطقية والقيّمة جدا ً مع قناة الجزيرة ، أثناء أستضافتها السيد أنور معاوية " أمير الطائفة الأيزيدية في العراق حسب إدعاءه " . أ ُثير موضوع المدير العام أصلا ً على خلفية المقابلة التي أجرتها جريدة " ئه فرو" في دهوك مع معالي وزير الأوقاف والشؤون الدينية في أقليم كوردستان في حزيران الماضي ، الذي هو " أي الوزير " رمى الكرة في ملعب الآخرين حول عدم أختيار شخصية أيزيدية ، ليشغل المنصب الشاغر في وزارته والذي خصص له غرفة في ديوان الوزارة على حد قول السيد الوزير .
قبل التطرق إلى تفاصيل هذه الأزمة ، وطالما مصدر الأثارة هو " الوزير " المسؤول الأول والمباشر في هذا الموضوع ، لذا لا بد أن يتحمل هو أيضا ً جزءا ً من اللوم أو العتاب على الأقل من الناحية الأدارية ، نتيجة الأهمال والمتابعة من قبل المعنيين في مثل هذه القضية التي تخص مِلاك مديرية عامة في وزارته ، ربما هذا ناتج ٌ أصلا ً من فقدان الرقابة البرلمانية لمتابعة تنفيذ القرارات الصادرة من البرلمان من قبل الحكومة المنبثقة منه . طالما نحن في سيرة البرلمان والرقابة . أما كان من المفترض أن يتم متابعة مثل هكذا موضوع مهم يخص الأيزيدية من قبل البرلمانيين الأيزيديين الثلاث ؟
إذن !! الوزير المعني بَرّأ نفسه ، من أن موضوع أختيار الشخص المناسب لمثل هذا المنصب غير مرتبط به شخصيا ً كما أشار في مقابلته مع الجريدة المذكورة . الأطراف الأخرى المسؤولة والمهتمة بالشأن الأيزيدي العام ، خاصة بعد أنتفاضة آذار عام 1991 في أقليم كوردستان ، والذي تعودنا منهم على تمشية مثل هذه الأمور هي : ـــ
أولا ً : الأتحاد الوطني الكوردستاني والجهات الأيزيدية ذات العلاقة به ، سواءا ً على مستوى شخصيات أو المكتب الخاص بشؤون الأيزيدية ، مقره الحالي في أربيل العاصمة ، المشرف على المكتب والذي يشغل أيضا ً منصب مستشار رئيس الجمهورية لشؤون الأيزيدية السيد عيدو باباشيخ أكد بأن منصب المدير العام لشؤون الأيزيدية في الأقليم هو من حصة الطرف الآخر من المعادلة السياسية ، هذا أمر معقول لأن " حكومة أقليم كوردستان / السليمانية سابقا ً " ، أستحدثت هذه المديرية وتم تعين السيد خيري شنكالي مديرا ً عاما ً في حينه ، حيث يحتفظ بمنصبه لحد الآن ، ولو تعلق الأمر بهم لما أحتاجوا إلى جهود للبحث ، بأعتبار المرشح والمعيّن أصلا ً موجود .
ثانيا ً : الحزب الديمقراطي الكوردستاني والجهات ذات العلاقة بالشأن الأيزيدي ، وهي مركز لالش الثقافي والأجتماعي واللجنة الأستشارية ، نعتقد بأنهم كانوا سابقا ً من السبّاقين لحسم مثل هذه الأمور ، ومن الجهات الغنية بالمرشحين ، ولو تعلق الأمر بهم " فقط " ومن صلاحياتهم ، لما أختلفوا أو تأخروا بحل ٍ لمثل هذه الأزمات .
ثالثا ً : الجهة الأخرى والمهمة من وجهة نظر الكثير وربما الأكثر شرعية لدى غالبية الأيزيديين " المغلوبين على أمرهم " ، هذه الجهة المتمثلة برأس الهرم الأيزيدي " سمو الأمير " ، أنضم إلى قائمة مصادر القرار الخاصة بالشأن الأيزيدي في أقليم كوردستان بعد 9 / نيسان / 2003 ، حيث كان سموه مع ال ( 90 % ) من الأيزيديين تحت رحمة النظام البائد . نظرا ً لصراع المصالح في العراق الجديد والأقليم ، قلما ترى جهة معينة أو شخصية مهما تكون مكانتها ، أستطاعت البقاء على الحياد ، لذا أنضم سموالأمير بعد تحرير باقي مناطق الأيزيدية إلى أحد الأطراف السياسية القوية في الميدان ، ربما لمقتضيات المصلحة الخاصة والعامة أيضا ً في هذه المرحلة ، رغم ذلك واجه سموه صعوبات جَمَة أمام مصادر القرار الأخرى الذين أحترفوا في التعامل مع " الفوق الكوردي " . من الجدير بالذكر أن نقول بأن للأمير أيضا ً أجندات خاصة به لكنها دائما ً " في طور التأجيل " وغير محسومة في حينها . حول موضوعنا أعلاه ، أود أن أشير إلى زيارة وزير الأوقاف والشؤون الدينية في الأقليم إلى معبد لالش في أكتوبر 2006 والتقى حينذاك مع سمو الأمير ، حيث طلب الأخير من معاليه بأن لا يكون أختيار الشخصيات الأيزيدية وخاصة للمناصب المرتبطة بالأمور الدينية " أختيارا ً سياسيا ً " ، ليؤكد في الأخير بأن مثل هذه الأمور من صلب أختصاصه كأمير لهذه الأقلية الدينية ، بعد أن أمتعض من بعض الأختيارات والتعينات على مستوى عراق المركز ، لا ريب فيه بأن كلام سموالأمير منطقي جدا ً ، ومن المنطقي أيضا ً أن لا يعترض أحدا ً على مثل هذا الطلب حتى لو كان على مستوى القيادة ، إلا في حالة المساومة أو التنازل وللأسف نحن في عصر يتغلب " المصالح على المبادئ " .
إذن !!! هل هي أزمة مرشّحين أم هي أزمة بين الجهات ذات العلاقة حول أختيار المرشح ؟
بالتأكيد ، الأحتمال الأرجح هو الشق الثاني من السؤال ، الأطراف ذات العلاقة التي ذكرناها آنفا ً يرون وحسب رؤيتهم للواقع بأن لكل طرف له الأحقية في أختيار المرشح ، سواءا ً كان مركز لالش الثقافي
والأجتماعي ، الذي أثبت وجوده بعد الدعم اللامحدود من قبل حكومة السيد نيجيرفان بارزاني خاصة ًبعد المؤتمر الثاني للمركز نهاية عام 1994 وأنسحاب الأنصار المحسوبين على الطرف الثاني " الأتحاد " من الأنتخابات في المؤتمر ، قدم المركز ما قدم من الخدمات وبعض المشاريع ، كل هذا ستصفى وستعود ملكيتها وعائديتها إلى مديرية شؤون الأيزيدية المستقبلية منها القاعات ومئات الموظفين " المجيوريون " الذين تم تعينهم بتسكية من مركز لالش تقدر عددهم بأكثر من 700 ، هؤلاء ربما سيتم غربلتهم كجزء من " حملة مكافحة الفساد في كوردستان " ، الكثير من مثل هذه الأجراءات ستقلل من شأن المركز وتؤثر على دوره الحالي إذا لم يكن المدير العام وطاقم المديرية منهم وفيهم ، لذا هم حاولوا وسيحاولون جهد الأمكان للفوز على الطرف الآخر في مجال أختيار الشخصية المناسبة لهم ، حيث قيل بأن أحد مرشحيهم كان " طالب كلية " . أما الطرف الآخر المتمثل بسمو الأمير والذي يرى أيضا ً بأن كل الشرع والقوانين الدينية يعطي له الحق في الأختيار لمثل هذه الحالات التي تمس الأمور الدينية ، لذا فهو أي " سمو الأمير " سيكون المتضرر الأكثر في حالة عدم أختيار المرشح المناسب من وجهة نظره وموجها ً من قبله ، حيث سيكون بالتأكيد للمديرية وصاية على معبد لالش بما فيه الواردات التي ستصب في ميزانية المديرية ، ومن المحتمل أن يتقاضى سموه راتبا ً مخصصا ً وفق النظام الأداري لها ، لذا فهو حريص جدا ً على الأختيار . هذا ناهيك بأن بعض الأخوة المحسوبين على نفس الجهة والذين يعيشون في المهجر ، أرادوا المشاركة في القرار في هذا الأختيار، بحكم نضالهم المعروف في الأيام الصعبة ، لذا أقترحوا على مراجعهم أيضا ً لتسمية مرشحين من قبلهم ، إلا أن أختيارهم عُورِض مع القانون وأجندات الأطراف الرئيسية الأخرى ، الذين أعطوا لأنفسهم الأحقية والشرعية ومملوكية مثل هذه القرارات .
لذا الصراع بين الأقطاب أو الجهات ذات العلاقة بالشأن الأيزيدي ، لم يكن في يوم ما صراعا ً من أجل قُرَة عيون الأيزيديين ، إنما كان دوما ً صراع المصالح ، صراع من أجل تثبيت الأقدام ، صراع من أجل إبراز الذات ، صراع من أجل عرض العضلات وإلغاء الآخر و ... و ....
هنا لا بد من القول بأن مهما يكن حجم الخلاف أو الصراع بين هذه الأقطاب أو الجهات والمراجع ذات العلاقة بالشأن الأيزيدي ، فَهُم مطالبين أمام الله والضمير الأنساني والجماهير المؤمنة بقضيتهم بترك الخلافات جانبا ً ، وعدم الأهتمام ب " فخفخة المناصب " أو " طَبطَبة على الأكتاف " والدعم من المسؤولين ، هُم مدعويين بالتفكير الجدي بالمصلحة العامة ومبدأ الحوار مع أنفسهم أولا ً ثم الحوار مع الآخرين من نفس الفصيل السياسي ، أما الآخرين المحسوبين على الطرف الثاني من المعادلة السياسية مدعويين أيضا ً لنفس الهدف والأتجاه ، والجميع مطالبين بالجلوس على الطاولة من أجل الأهداف السامية والمصلحة الأيزيدية العليا ، ولتكن حسم أختيار المرشح المناسب لمديرية شؤون الأيزيدية مفتاحا ً للحوار .
ألمانيا في
28 / آب / 2008

الأربعاء، 20 أغسطس 2008

ظاهرة التلفيق ..... السياسي نموذجا ً !!!

بقلم / حسين حسن نرمو
h.nermo@gmail.com
" التلفيق " كظاهرة وبشكل عام ، تدخل في خانة إحدى وسائل الصراع العلنية أو السرية ، القانونية أو الغير قانونية ، بغية إسقاط المقابل " الخصم " ، ليجعله في نظر الآخرين مكروها ً ، أحيانا ً ، لا تخلو هذه الظاهرة من بعض الحقائق التي تبنى عليها الخطوات لوقوع الشخص المعني " الضحية " وفق المخطط المعد لذلك ، تعتمد هذه الظاهرة على التشهير والتهم ، بالأستناد على وقائع مخفية ، كانت جزء من سلوك المقابل في الماضي ، ليتم النشر والأعلان بحملة مدروسة غايتها أسقاط الهدف المنشود ، سواءا ً كان أجتماعيا ً أو سياسيا ً .
لذا وطبقا ً لمبدأ الظاهرة أعلاه ، تعرض ويتعرض الكثير من رجال السياسة ، الأقتصاد ، العلماء وأكثرية الذين يعملون في مجالات مهمة إلى التلفيق بشكل أو بآخر ، الحقيقي أو المزيف ، لأهداف وأغراض كثيرة ، وبشتى الطرق المشروعة أو الغير مشروعة ، كأن تكون على شكل دعايات ضد الشخصيات المعنية ، وأستغلال علاقات البعض منهم في الصفقات السياسية أو التجارية ، ليصل الحد إلى التلفيق فيما يخص صلب الحياة الشخصية للمستهدفين ، كأن يكون الحال في العلاقات مع الجنس الآخر ، لفضحهم أمام الملأ ، سواءا ً كانت هنالك علاقة فعلا ً أو حتى أتهامهم زورا ً بذلك لتحقيق ما يربون إليه ، ليتم أحيانا ً أخرى فبركة قصص ، بتكليف البعض ذوي النفوس الضعيفة " النساء أيضا ً " للتمثيل على الضحية وفق أدوار مرسومة من الجهات المكلفة بالتلفيق !!!
" التلفيق " على مستوى الدول ، وكذلك بين الأحزاب والتنظيمات السياسية ، يمكن تسميتها ب " التلفيق السياسي " ، التي تكون عادة ذات أهداف سياسية بحتة سواءا ً كان المقصود به أخضاع الخصم والعمل لصالح الجهة المنفذة لعملية التلفيق أو أسقاطه . هذه الحالة موجودة حتى في الدول ذات النهج الديمقراطي تحت ذرائع ومبررات شتى بالأعتماد على مبدأ الصراع اصلا ً ، والتي " الديمقراطية " أيضا ً هي الصراع ضد الأستبداد والفساد و .. و .. في كل المجتمعات ، خير مثال على ما وردناه أعلاه في زمن الديمقراطية ومكانها " الولايات المتحدة " هو فضيحة " الرئيس كيلنتون ومونيكا لوينسكي " داخل البيت الأبيض والمعروفة والتي كانت وليدة الصراع رغم حقيقتها ، لتحصل حالات أخرى وكثيرة في الدول ذات النظام الديمقراطي ليتم الأعلان عنها حتى على مستوى الصحافة مثل أسرائيل ايضا ً ، هذا ناهيك في الكثير من الدول الأوربية ، حيث كان في السابق وعلى مستوى ألمانيا مثلا ً ، يتم أستثمار مسألة " الأنحراف الجنسي " في الأطاحة بالقادة العسكريين .
بالتأكيد لدى الأنظمة والأحزاب المستبدة خبرة ً أكثر من الآخرين في مجال التلفيق ، كونهم ينوون القيادة بشكل مستمر وبدون منازع ثم عدم قبول المنافسين ، لذا وحسب النهج الذي يسيرون عليه ، أبتكروا شتى الوسائل لقمع ، أنهاء وإسقاط مَن يعارض نهج القائد أو رئيس الحزب المستبد ، الذي يرى نفسه " ظل الله الواحد الأحد على بقعة الأرض التي تحت قيادة الحكيمة دائما ً من وجهة نظره " .
في الشرق الأوسط والعراق تحديدا ً وبحكم أستبداد الأنظمة فيه بأمتياز ، كان النظام العراقي البائد من أكثرهم أستخداما ً لمثل هذه الوسائل والأساليب الأبتزازية لغرض التنكيل بالمواطن العراقي المغلوب على أمره ، ومن خلال الأجهزة الكثيرة لمتابعة المعارضين لنهج " القائد الضرورة " ، والذي ذهب للأسف الكثيير من الضحايا الأبرياء ليس وحدهم ، إنما أقاربهم من الدرجة الرابعة أيضا ً ، حتى باتت هنالك أزمة في العهد البائد وعلى مستوى الداخل أسمها " الوطنية " و " أناس وطنيين " ، إلا إذا كان من خلال التعاون مع السلطات بشكل أو بآخر للتغطية على النشاط المعارض والحفاظ على وطنيتهم ، ربما كان ينطبق هذا أكثر على القادة العسكريين في الجيش العراقي .
في العراق الجديد وبعد التحرير والأحتلال ، أستمر الترويج لهذه الظاهرة وبشكل علني على مستوى الصحافة والفضائيات بين القادة والتنظيمات السياسية المختلفة من أجل الصراع على السلطة ، لأتهام بعضهم البعض وكشف الأوراق حول تعاونهم مع الأجهزة الأمنية والمخابراتية الأقليمية والأجنبية قبل سقوط النظام .
بما أن " كوردستان الأقليم " جزء من العراق ، كانت ولا تزال في دوامة الصراعات مع الأنظمة والحكومات المتعاقبة من أجل الحقوق المشروعة ، عاشت أيضا ً في حالة الصراع مع الذات قبيل " الأقتتال الداخلي " ، لذا كانوا وربما لا يزال " التنظيمات السياسية " من المروّجين لهذه الظاهرة ضد أنصار بعضهم البعض ، بعد العجز أحيانا ً عن عمليات التصفية ، ويتم هذا من خلال بعض الأجهزة الأمنية الخاصة المحسوبة عليهم أو " طابور خامس خاص " مدعوم من نفس الجهات .
هذا فيما يخص الجانب السياسي لهذه الظاهرة والذي قد لا يؤثر على الكثير أو لا يتأثر به الكثير أيضا ً ، لكن الشئ المؤسف والمؤثّر والمؤلم حقا ً هو أنتشار مثل هذه الظاهرة " التلفيق " كالمرض المعدي بين أبناء الأقلية أو الطائفة الواحدة ، أو بين أبناء الشعب الواحد ، وبالتالي بين أبناء المجتمع الواحد ، التي تؤثر على سلوك وشخصية الأنسان وعلى المدى البعيد ، أملنا هو الشفاء من مثل هذه الأمراض ، ونتجنب جميعا ً مثل هذه الظواهر التي أثرت وتؤثر في السلوك ، التصرفات ، الأخلاق وحتى في العلاقات بين أقرب المقرّبين وهذا ما نأسف عليه .

ألمانيا في
18 / آب / 2008

ظاهرة الأغتيال السياسي ... العراق نموذجا ً !!!

بقلم / حسين حسن نرمو
h.nermo@gmail.com
" الأغتيال " مصطلح يُطلق على عملية قتل ، يتم التخطيط والتنظيم لها مسبقا ً ، لأستهداف شخصيات سياسية ذات أفكار ورؤى مخالفة للقائمين على عمليات الأغتيال ، هذه الظاهرة ناتجة عن أسباب أخرى عدا السياسية ، منها الدينية ، العقائدية وأحيانا ً أقتصادية أو أنتقامية ، تحدث هذه الظاهرة " الأغتيال " في جميع دول العالم دون أستثناء مع أختلاف الأسباب كما أسلفنا من حادثة إلى أخرى ، وتنتعش عادة مثل هذه الظاهرة وتنمو في ظل الأنظمة الأستبدادية أكثر من الأنظمة الأخرى .
يختلف حجم الجهة المنفذة لعمليات الأغتيال من أشخاص إلى منظمات ، أجهزة أمنية ، مؤسسات قمعية وحتى الحكومات أيضا ً تكون وراء بعض العمليات . لذا وفق ما يراه الكثير من المهتمين والمناوئين لهذا الشأن ، بأن الأغتيال السياسي يندرج في خانة الصراعات السياسية ، ليتحول بعدئذ إلى الوجه الأعنف من الصراع بعيدا ً عن لغة الحوار لينتهي إلى التصفية الجسدية ، وهذا ما يعارضه الكثير من المنظمات ذات الشأن الخاص بحقوق الأنسان والمجتمع المدني وفق مبادئ " منظمة حقوق الأنسان العالمية " التي تأسست وأنشئت على ضوئها مثل هذه المنظمات .
لا شك وكما قلنا بأن لا توجد دولة في العالم إلا وحدثت فيها أغتيالات سياسية بدءا ًمن الولايات المتحدة كدولة عظمى وعلى مستوى الرؤساء والقادة مثل " جون كينيدي " على سبيل المثال ، مرورا ً بأوروبا أيام " هتلر " و " موسوليني " ، وصولا ً للشرق الأوسط كما حدث في مصر أغتيال الرئيس أنور السادات ، الذي كان من بين القادة العرب المتفهمين للوضع العربي الأسرائيلي بشكل جيد ، ليتعامل مع القضية بشكل علني لا وراء الكواليس ، وكذلك أغتيال رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني السابق في حادث مروع هزّت المجتمع الغربي والأوربي والعربي عامة ً حكومات ومنظمات ، وحوادث أخرى من الأغتيال السياسي لا مجال لذكرها في مقالنا هذا .
أما عن العراق ، فحّدث ولا حرج . ففي التاريخ المعاصر لهذا البلد ، منحني الأغتيالات في تصاعد مستمر وفي ظل الحكومات والأنظمة المتعاقبة التي حكمت بالحديد والنار . كل الأنظمة التي حكمت العراق وعلى مدى عقود من الزمن قاومت المعارضة السياسية التي تنادي بالديمقراطية بشكل أو بآخر من خلال تشكيل العديد من الأجهزة الأمنية والمخابراتية لملاحقة المناوئين لها من أجل الوقوع في مصيدتها ، لذا تم تدريب أزلامهم على شتى صنوف وأنواع الملاحقة منها الأغتيالات سواءا ً كانت في الداخل أو في خارج العراق .
إذن ! كل التنظيمات والأحزاب المعارضة للنظام البائد وخاصة الذين رفعوا شعار أسقاطه منها الحزب الشيوعي العراقي والمجلس الأعلى وحزب الدعوة والوفاق و ... نالوا نصيبهم من الأستهداف للتصفية بدءا ً من رؤسائها وقياديها والأعضاء النشطين . رغم أن الأكراد وخلال فترة كفاحهم لم يرفعوا شعار أسقاط النظام ، إلا أنهم نالوا أيضا ً حصتهم من الملاحقة والأغتيال حتى حينما كانوا متحالفين مع النظام البائد في حقبة السبعينات أثر أتفاقية الحادي عشر من آذار ، حيث تعرض البارزاني الخالد ونجله المرحوم أدريس البارزاني إلى محاولتي أغتيال في حاج عمران وبغداد من قبل أزلام النظام ، وآخرين كثيرين من خيرة قادتها أمثال المرحوم صالح اليوسفي في بغداد تم أغتياله برسالة ملغومة ، هذا ناهيك عن أنهم لم يفلتوا من العقاب الجماعي وفي حوادث معروفة لدى المجتمع الدولي أثناء قصف مدينة حلبجة بالسلاح الكيمياوي وأنفلة ثمانية آلاف من البارزانيين ثم حملات الأنفال الجماعية المعروفة والتي راح ضحيتها أكثر من التعداد السكاني لأحدى الدول الصغيرة أو تعداد بعض الأمارات الخليجية .
أما بعد زوال النظام ودخول القوات المتحالفة تحت صبغة الأحتلال ولحد الآن ، أختلطت كل الأوراق ليتحول العراق إلى بلد الرعب بعد تسهيل مهمة دخول التنظيمات المتشددة من قبل الأطراف المعادية للعراق ليزداد وتيرة الأغتيالات في معظم أرجاء البلاد . بالرغم من تعرض الكثير من السياسيين " المعارضين بالأمس للنظام " إلى حوادث أدت إلى تصفية البعض منهم من قبل " المعارضة المعكوسة " التي كانت بالأمس تحكم البلد بالحديد والنار وبالتعاون التام مع التيارات السلفية والأرهابية الأخرى ، إلا أن غالبية حالات القتل والأغتيال التي حصلت وتحصل في العراق الحديث بعد سقوط النظام ، كانت بدافع وروح أنتقامية بين العراقيين من مختلف الطوائف ، حتى أصبح القتل ليس على الهوية فحسب بل حتى على الأسماء ايضا ً ، هذا أسمه علي أو حسن أو حسين من الشيعة يقتلون من قبل المتشددين السنة ، والذين يحملون أسماءا ً ك " عمر " و" عثمان " و ... يقتلون من قبل المتشددين الشيعة ، لكن هنالك مكونات أخرى مثل المسيحييين والصابئة والأيزديين حُلل قتلهم للأسف من قبل السلفيين المتشددين على الأنتماء الديني ، علما ً بأن الأيزدي يسمى ب " علي ، حسن ، حسين ، عمر وعثمان و .. " .
إذن !! أصبح العراقيين ضحية الصراعات العقائدية ، السياسية ، الأسلاموية والعلمانية ، حتى باتت تنفذ عمليات أغتيال منظمة في أروقة المؤسسات الحكومية التي يرأسها هذه الشخصية أو تلك منتمي إلى هذا الحزب أو ذاك التنظيم ، أو محسوب على هذه الطائفة أو تلك .
مهما نكن عاطفيين أو نجامل أنفسنا ، لا نستطيع أن نستثني " كوردستان الأقليم " من هذه الظاهرة والتي تحدث في كافة أرجاء المعمورة كما أسلفنا . من وجهة نظر " كوردستان الحزب " لكل تنظيم له الحق في أدارة جهاز أمني ، والذي من المفروض أن تنحصر مهمة مثل هكذا أجهزة في الدفاع عن الأخطار التي تهدد أمن الحزب في حالة الصراع مع الأقطاب الخارجية التي تعمل بالضد من القضية التي يدافع عنها الأحزاب الكوردستانية وفق المبادئ العامة للمنهاج والنظام الداخلي له ، هذا الأمر الذي يكون فيه الشرعية والمنطقية إلى حد ما حول كيفية تعامل الجهاز الحزبي والأمني مع العدو الخارجي في الصراع . أما الذي لا يرضي المنطق والضمير الأنساني الكوردستاني هو حول وجود العديد من الأجهزة الأمنية والمنظمات السرية وفرق الموت " رجال المهمات الصعبة " التابعة للبعض المسؤولين المحسوبين على هذا التنظيم أو ذاك وربما أحيانا ً بدون علم القيادة العليا للأحزاب الكوردستانية ، المرؤوسين " المأجورين " هم الذين ينفذون ما يأمرهم به رؤسائهم في تنفيذ عمليات اغتيال " القتل الداخلي " المحسوبين على الأطراف الأخرى وبالعكس وأحيانا ًتصفية المحسوبين على نفس الطرف أو الجهة المنفذة للعمليات ، لتنقلب أحيانا ً أخرى الأية على المنفذين أنفسهم " فرق الموت " ، حيث يتم بين الحين والآخر تصفية البعض من هؤلاء " المأجورين " الذين قاموا بتنفيذ الكثير من العمليات وعلى أيدي آخرين مأجورين بنفس الطريقة ولنفس التنظيم خوفا ً من أكتشاف أمرهم .
هذه الظاهرة " الأغتيال " العشوائية إلى حد ما في الفترة الأخيرة بعد سقوط النظام البائد ، وكذلك المخططة والمنظمة أيضا ً منذ زمن بعيد في المنطقة معتمدة على الأجهزة الأمنية والمخابراتية والمنظمات السرية وفرق الموت المصطنعة أصلا ً ، قد أثرت وتؤثر ليس على المبادئ العامة لحقوق الأنسان فحسب ، بل لها تأثير على سير وأداء ومستقبل التجارب الديمقراطية الفتية في المنطقة " تجربة كوردستان نموذجا ً " أمام الرأي العام العالمي بشكل أو بآخر ، مثلما حصل من تأثير على دور تجربة الأقليم وعلى مستوى الأعلام في الحملة الأخيرة على أوكار الأرهابيين في مدينة الموصل " الحدباء " .
طالما هنالك إدعاء ، اقتداء ، أيمان ووجود الديمقراطية ، لذا ومن أجل ديمومتها والمحافظة عليها ، من المفترض ولا بد على الذين يدعون ، يقتدون أو يؤمنون بوجودها التفكير بالعمل على التخلص والتحرر من نظام المنظمات السرية وإلغاء الأجهزة الأمنية والمخابراتية المرتبطة بهذا التنظيم أو ذاك وتحت أمرة أي مَن كان والفائضة عن الحاجة " حسب مفهوم الديمقراطية " التي عملت وتعمل على قمع وتخويف وأغتيال المواطن العراقي المغلوب على أمره والذي بات وكما قيل على لسان الشاعر الشعبي العراقي البصراوي المعروف " عباس جيجان " في إحدى قصائده ( مِن كُثر ما عندي خوف من الحكومات ، أشوف الناس كل الناس شرطة ) وهذا ما ينطبق فعلا ً على المواطن العراقي . إذن ظاهرة الأجهزة الأمنية الكثيرة عملت على زرع عقدة الخوف في نفسية المواطن العراقي بكافة أطيافه ، حيث لم يتحرر منها ويتأثر بتلك العقدة حتى بعد الرحيل عن الوطن والعيش في الدول الأوربية المتقدمة أثناء التعامل أو حتى مشاهدة الشرطة عن بعد .
ألمانيا في 27 / 07 /2008

أميريكا ومدى جديتها في التعامل مع ملف كوردستان العراق !!

بقلم / حسين حسن نرمو
h.nermo@gmail.com
في مانشيت عريض لجريدة الراصد العراقية المعروفة سابقا ً بعد أتفاقية الجزائر المشؤومة والتي كانت حصيلتها نكسة عام 1975 على الكورد ، ذلك العنوان كان مقتبسا ً من إحدى الصحف التي أجرت لقاءا ً مع البارزاني الخالد بعد النكسة والذي قال ( لولا الوعود الأميريكية لما وقعنا في الفخ ) ، هذا ما قاله زعيم الحركة التحررية الكوردية بدون منازع آنذاك حول الأتفاقية والنكسة .
إذن ! كانت القيادة الكوردية تدرك حينذاك الموقف الأميريكي المبني على المصالح في العالم ، ورغم ذلك لجأ البارزاني الراحل إلى الولايات المتحدة بعد أحداث 1975 ، ليبقى هناك إلى أن وافاه الأجل في آذار 1979 ، حيث قيل بأن سبب وفاته كان مصطنعا ً بعد أن قرر البارزاني الرجوع إلى ايران واللقاء مع الأمام الخميني بعد نجاح مناصري الأخير في الثورة الأسلامية والسيطرة على الحكم ثم مغادرة الشاه " محمد رضا بهلوي " إلى جمهورية مصر العربية . بمناسبة الحديث عن أميريكا ومصالحها في تلك الآونة أي بعد أندلاع القتال بين قوات البيشمه ركه والجيش العراقي في آذار 1974 بعد سحب إعتراف النظام البائد بأتفاقية آذار ، أستخدم النظام في المعارك كافة الأسلحة بما فيها " قنابل النابالم " ذات القدرات التدميرية حتى في الصخور الجبلية ، تلك القنابل كانت تلقى من طائرات ضخمة ذات صوت مميز أثناء تحليقها في سماء كوردستان وتسمى بطائرات " باجر أو توبوليف " ، تلك الطائرات الضخمة الحاملة لأطنان من القنابل كانت مجهولة المواصفات لدى أميريكا وأجهزتها التقنية ، أرادت أن تعرف " كيفية تصميمها " من قبل خصمها التكنلوجي حينذاك "الأتحاد السوفيتي " ، لذا أعطت الأوامر لحليفتها " أيران الشاهينشاهي " بمحاولة ونصب قاعدة " صواريخ هوك " المضادة للطائرات في كوردستان لرصد وإسقاط إحدى تلك الطائرات ، فعلا ً تم ما ارادت الولايات المتحدة بأسقاط إحداها لياتي الخبراء والمختصين بالشؤون الجوية الأميريكية لغرض التصوير وأخذ بعض العينات من هيكل الطائرة .
إذن ! لولا المصالح الأميريكية لربما لم تحصل نكسة عام 1975 ، كما أشار البارزاني الخالد في تصريحه لوسائل الأعلام بعدها ، أقتضت مصلحتها ايضا ً في نصب إحدى أحدث القواعد للصواريخ لأداء مهمتها ثم تفكيك القاعدة ونقلها حينذاك إلى المكان التي أتت منها .
في الحرب العراقية الآيرانية وعلى مدى ثمان سنوات ، قدمت أميريكا الدعم لصدام حسين ضد أيران ذات النظام الأسلامي من خلال الدعم اللوجستي اللامحدود من قبل دولة الكويت طبقا ًلتوجيهات أميريكا ، وتقديم الكثير من المعلومات حول المواقع المهمة عن طريق " طائرات الأواكس " الأميريكية الصنع والسعودية التمليك والأستخدام . لذا رغم ما تعرض له الكورد قبل وبعد نهاية الحرب العراقية الأيرانية من قبل النظام البائد ، بدءا ً من قصف حلبجة بالأسلحة الكيمياوية أنتهاءا ً بحملات الأنفال السيئة الصيت ، لم يصدر اي تصريح أو بيان من الولايات المتحدة لشجب أو أدانة تلك العمليات البشعة ، لتبقى كفة المصالح " سيدة الموقف " أيضا ً مقابل كفة المبادئ العامة لحقوق الأنسان . لولا صدى الهجرة المليونية للكورد بعد أنتفاضة آذار 1991 وتأثيرها على الرأي العام العالمي وما قامت بها الكثير من المنظمات الأنسانية ذات المجتمع المدني بالمساعدة ، لَما كان لأميريكا دور مباشر في تأمين الحماية الجوية لكوردستان العراق من القوات النظامية العراقية آنئذ . أما بعد سقوط النظام والذي كان للكورد دور مهم ومن أقوى الحلفاء للولايات المتحدة بعد أمتناع حليفتها الستراتيجية " تركيا " في حلف شمال الأطلسي " الناتو " من أستخدام أراضيها لضرب العراق ، تمكن الكورد وللمرة الثانية اثناء وبعد الأنتفاضة من تحرير مدينة كركوك الغنية بالذهب الأسود وساعدوا على تحرير مناطق اخرى منها مدينة الموصل على سبيل المثال لا الحصر ، بعد التحرير والأحتلال باشهر قليلة ساعد الكورد الأميريكان أيضا ً ومن خلال أعطاء معلومات دقيقة لقوات التحالف عن مكان تواجد رئيس النظام السابق ، حسبما جاء على لسان السيد كوسرت رسول علي نائب رئيس اقليم كوردستان ولأكثر من مرة ، آخرها أثناء لقاء جريدة الشرق الأوسط اللندنية مع سيادته مؤخرا ً .
إذن ! رغم أن تجربة كوردستان الديمقراطية إلى حد ما ، والتي يمكن أن تدرج في خانة إحدى التجارب الديمقراطية الفريدة في منطقة الشرق الأوسط بعد تجربة أسرائيل ، إلا أن موقف أميريكا ومن خلال التقارير التي تعد وتقدم إلى الجهات الرسمية والأعلامية من قبل مسؤولين سابقين في الحكومات الأميريكية وآخرها الجزء الأول من التقرير المعد من قبل ديمستورا وعلى شكل مقترحات حول المناطق المتنازعة عليها والذي أقترح بإلحاق قضاء مندلي على سبيل المثال بمحافظة ديالى ، تلك المنطقة التي كانت من ضمن المطاليب الكوردية على مدار عشرات السنين وقدم الكورد الغالي والنفيس من أجل الدفاع عن مطاليبهم ، هذا ناهيك عن موقف أميريكا الرسمي الغير واضح حول المادة 140 من الدستور العراقي وبالذات فيما يخص مدينة كركوك ، علما ً بأن صياغة الدستور تم بالتوقيت الذي حددتها أميريكا ووفق ارشاداتها ، لذا جاءت زيارة السيدة كوندوليزا رايس إلى كركوك بما لا يرضي توجهات الأطراف الكوردية بعد رفض الرئيس البارزاني أستقبالها في أربيل العاصمة ، حيث قيل بأنها كانت تحمل في جعبتها أجندة حول المناطق الكوردستانية المنسلخة وخاصة مدينة النفط ، ليتم تصنيفها في أقليم خاص ومستقل بعيدا ً عن آمال وتطلعات الشعب الكوردستاني على الأقل في الوقت الحاضر ..
بعد كل الذي حصل من تحالفات وأتفاقات " شفوية " غير موثقة مبنية على الثقة والوعود المتبادلة بين الكورد وأميريكا خلال فترة زمنية طويلة من الألفيتين الثانية والثالثة قبل وبعد التحرير والأحتلال . فيا ترى ! هل ستحصل اتفاق أو تحالف ستراتيجي بينهما مبنيا ً على الدفاع عن حقوق الكورد " الشعب المليوني " ، فيما لو تم تحقيق حلمهم الذي رافقهم على مدى عقود من الزمن بإعلان الدولة الكوردية في المستقبل ؟؟؟

ألمانيا في
13 / تموز / 2008

السبت، 28 يونيو 2008

حذارٍ مِن ال " ثورة في الثورة " في كوردستان ... رؤية مستقبلية


بقلم / حسين حسن نرمو
h.nermo@gmail.com
شهد النصف الأول من القرن المنصرم حَدثين هامين مدمرين معروفين جداً هي الحربين العالمين الأولى من ( 1914 _ 1918 ) والثانية من ( 1939 _ 1945 ) ، هذين الحربين كان لهما تأثير مباشر على أحياء وبروز الكثير من القضايا في العالم وتغير خارطة الكثير من المناطق والبلدان ، ليندلع شرارة الكثير من الثورات مع بداية سقوط أمبراطوريات ، أهم ما حدث خلال وبعد الحرب الأولى سقوط الأمبراطورية القيصرية وقيام الثورة البلشفية بقيادة الرائد " لينين " ، ثم أنهيار أمبراطورية الرجل المريض " الدولة العثمانية " ، ليتم تأسيس الدولة التركية على أنقاضها وتقسيم ممتلكات الدولة حينذاك منها العراق طبعا ً وفق أتفاقية " سايكس بيكو " والذي أصبح العرب والكورد ضحيتها تحت صبغة الأحتلال الطويل الأمد ، جاءت " لوزان " عام 1923 لتكون على حساب حقوق الكورد وفق ما أُقر في أتفاقية " سيفر " عام 1920 .
أندلعت في المنطقة شرارة الكثير من الثورات ضد الأحتلال ، منها ثورة المليون شهيد المعروفة في الجزائر وثورة العشرين في العراق وثورة الشيخ سعيد بيران في تركيا ، الذي يهمنا في هذا المقال هو ما حدث في كوردستان ، كان هنالك خلال وبعد الحرب الأولى ثورة الشيخ محمود المعروفة ضد الأحتلال الأنكليزي ، تلتها ثورات بارزان بقيادة الراحلين الشيخ أحمد ومصطفى البارزاني فيما بعد من أجل نيل الكورد حقوقهم المشروعة . لم يكن الحرب العالمية الثانية خالٍ من المفاجئات أيضا ً بالنسبة للكورد وكوردستان بعد التقسيم ، حيث برزت تنظيمات سياسية في بدايته مثل حزب " هيوا " على سبيل المثال لا الحصر ، ليتفقوا قادتها على تشكيل تنظيم أوسع متمثلا ً بالحزب الديمقراطي الكوردي / العراق عام 1946 ، بعد أن أسندوا قيادته إلى الراحل البارزاني مصطفى ، سرعان ما بادر الأخير بالمشاركة والدفاع عن " جمهورية مهاباد الكوردية الفتية " التي تم الأعلان عنها في كوردستان أيران ، ليغادر فيما بعد من هناك مختفيا ً مع قوة كبيرة إلى الأتحاد السوفيتي بعد القضاء على الجمهورية وأعدام رئيسها القائد التاريخي " قاضي محمد " في ساحة " جوار جرا " .
إذن ! بعد كل تغير ، قد تحصل أكثر من تغير بشقيه الأيجابي والسلبي لهذا أوذاك من المكونات والشعوب ، أو لهذه وتلك من الدول والمناطق ، بعد كل حدث مهم تجري أحداث أهم لصالح أو ضد الآخرين ، لذا نرى في النصف الثاني من القرن المنصرم وبعد ثورة 14 تموز / 1958 بقيادة عبد الكريم قاسم ، دعا ذلك الرمز الوطني إلى عودة البارزاني من منفاه الأجباري في الأتحاد السوفيتي ، ليتم أقرار شراكة الكورد أسوة بالعرب في العراق دستوريا ً . لكن ! للأسف وبسبب الظروف المحيطة بقادة الثورة حينذاك وربما لظروف خارجية ، تم ملاحقة وحجز قادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني في الموصل وبغداد ، أدى إلى أندلاع ثورة أيلول بقيادة البارزاني الأب عام 1961 . التغير الأسوء الذي حدث في العراق بعد أنقلاب تموز 1968 ، الذي أستمر ثلاث عقود ونيف لحين السقوط عام 2003 ، بعد أقل من سنتين على أستلام البعث الحكم في بغداد ، حصل أتفاق بين القائمين على السلطة المركزية " البعث " والقيادة الكوردية المتمثلة حينذاك ب " الحزب الديمقراطي الكوردستاني " بقيادة البارزاني الخالد على أتفاقية 11 آذار التي كانت من وجهة نظر القيادة الكوردية مكسبا ً تاريخيا ً ، لكن المماطلة في التنفيذ التي دامت أربع سنوات ساعد النظام على التنظيم والتسليح وتقوية العلاقات مع العالم الخارجي والذي كان بحاجة ماسة إلى ذلك باعتباره نظاما ً جديدا ً في الساحة السياسية آنذاك ، حيث تلك الفترة كانت مكسبا ً للنظام ، لذا وقبل أنتهاء الفترة المقررة للتنفيذ ، سحب أعترافه بالأتفاقية الموقعة بين الطرفين ليطعن بها وتصبح الأتفاقية مجرد حبرا ً على ورق ، أندلع القتال بينهما وبعد الشعور بالضعف خلال عام من المعارك البطولية التي قادها البيشمه ركة ضد الجيش العراقي ، سرعان ما تآمر على الثورة الكوردية والتنازل ل " شاه ايران " بشط العرب ومناطق أخرى من العراق على حساب الكورد وفق تخطيط مسبق من مهندس " أتفاقية الجزائر المشؤومة " هواري بومدين ، ليحصد الكورد أكبر نكسة جراء ذلك عام 1975 ، مما أدى إلى أنشقاق جزئي بين القيادة السياسية الكوردية والعسكرية حول كيفية التعامل مع النكسة " مواصلة القتال أو الأنسحاب من الساحة " ، لكن كفة الميزان ترجحت لصالح القيادة العسكرية بالأستسلام والأنسحاب إلى العمق الأيراني ، ذلك الحدث المأساوي في تاريخ الحركة التحررية الكوردية كان لها تأثير معنوي كبير في نفسية قادتها مع القاعدة . لكن سرعان ما تم أعادة التنظيم بعد اشهر قليلة ، ليعلن ولادة الأتحاد الوطني الكوردستاني في الأول من حزيران عام 1975 ، هذا التنظيم الذي كسر الطوق الأحادي القطب في النضال من أجل الحقوق المشروعة ، أثبت الأتحاد وجوده بسرعة البلاشفة على مستوى كوردستان في الداخل والخارج أيضا ً بعد أن تأسس على أرضية موجودة أصلا ً وهي " جمعية الشغيلة " إضافة إلى التنظيمين الآخرين " التيار الأشتراكي " و " الخط العريض " والمباشرة طبعا ً بالنضال في الداخل . بعدها بفترة قصيرة أندلعت ثورة كولان تحت أشراف " القيادة المؤقتة " حينذاك . لكن قبل وبعد أن تجرع الأمام الراحل الخميني " كأس السم " كما قال هو بنفسه ، أي الموافقة على أيقاف الحرب العراقية الأيرانية ، تعرض الكورد إلى أكثر من كارثة أنسانية متمثلة بحملة أبادة جماعية " قصف مدينة حلبجة بالأسلحة الكيمياوية " راح ضحيتها أكثر من خمسة آلاف من المواطنين العزل ، تلتها حملات الأنفال السيئة الصيت المعروفة ، حدثت تلك العمليات الوحشية وللأسف لم يتحرك الضمير الأنساني في العالم الغربي للتعاطف مع الشعب الكوردستاني حينذاك . لكن مغامرة النظام البائد أثر أحتلال دولة الكويت ، أدت إلى أندلاع الأنتفاضة في معظم أرجاء العراق بما فيه المدن الكوردستانية ليطرح الملف الكوردي نفسه بقوة في الساحة العالمية خاصة بعد الهجرة المليونية للكورد إلى الخارج اثناء قيام النظام بقمع الأنتفاضة بعد الضوء الأخضر من قبل قوات التحالف في الخليج والعراق مما أدى إلى تعاطف المجتمع الدولي مع القضية الكوردية ليحصلوا فيما بعد على منطقة آمنة والتي كانت بحق " فرصة تاريخية " .
في العام الأول من الألفية الثالثة ، حدث ما توقع الباراسايكولوجي المعروف " نوستر أداموس " ، الذي تنبأ بالذي حدث في 11 / سبتمبر قبل مئات السنين مع توقعات وتنبؤات أخرى حدثت فعلا ً مثل الثورة الفرنسية والحربين العالميين و .... مدونة ضمن كتاب " تنبؤات نوستر أداموس " والذي قال " سيأتي ملك الأرهاب من السماء في مدينة يورك ..... " ، الذي أشار المحللون بأن كان القصد هو العمل الأرهابي بالطائرات لضرب الأبراج التجارية في مدينة نيويورك . ذلك الحدث الذي اثر بشكل أو بآخر على تغير الخارطة السياسية في العالم بعد أعلان الولايات المتحدة الحرب على الأرهاب ووضع الخطط البعيدة المدى لمكافحة ومحاربة ونقل الأرهاب خارج أميريكا بعد أن شاركت مع حلفاءها بالقضاء على حركة طالبان في أفغانستان وسقوط النظام في العراق . الذي يهمنا هو ما حدث في بلدنا العراق ، حيث بزوال النظام أنهارت الدولة بمؤسساتها نتيجة مغالطات وقع فيه الأحتلال الأميريكي منذ البداية في كيفية معالجة الموقف مما أدى إلى خلط الحابل بالنابل ، ليتعرض ممتلكات الدولة بكاملها إلى السرقة والنهب بشكل عشوائي وأنهيار الأقتصاد ليختفي عشرات المليارات من الدولارات تحت يافطة الفساد المستشري في ربوع البلاد .
إذن ! من خلال هذا السرد الموجز والمبسط وربما الممل بالنسبة للبعض ، نرى بأن كوردستان وعلى مدى عشرات العقود من الزمن في الألفية المنصرمة في حالة أنتفاضات ، ثورات ، مفاوضات وأتفاقيات مع الحكومات المتعاقبة من أجل نيل الحقوق المشروعة للشعب الكوردستاني ، خلال الأعوام المنصرمة من الألفية الثالثة وخاصة بعد سقوط النظام في بغداد ومشاركة الكورد في القرار السياسي ، عانوا من مواجهات عدة مع الحلفاء والأصدقاء في الحكومات ، رغم أنهم أفلحوا في معركة صياغة بنود ومواد الدستور العراقي الدائم ، إلا أن كل التصورات والرؤى تتجه نحو المعركة الحقيقية في تطبيق المواد وخاصة المادة 140 من الدستور المتعلقة بالمناطق المتنازعة والمنسلخة من كوردستان الوطن والذي بات التطبيق يؤجل مرة ً تلو الأخرى وربما هذه المرة سيكون التأجيل إلى أمد بعيد .
لذا نرى بأن كوردستان لا زال في حالة الثورة ، تقودها قيادة علمانية إلى حد ما وتعاني من أزمة أو ربما أزمات داخلية سواءا ً المتعلقة بشكيل الحكومة الموحدة أو الخاصة بالفساد الأداري والمالي الذي أنتشر بشكل واسع كوباء السرطان في الجسد الكوردستاني .
لذا لا بد أن نقول وطالما بعد كل تغير تحصل أكثر من تغير وبعد كل حدث تحصل أكثر من حدث كما أسلفنا . فيا ترى !!!
هل من الممكن معالجة مثل هذا الوباء الخطير " الفساد " في المستقبل القريب بعد أستحداث رئاسة الأقليم وتوحيد الأدارتين والأتفاق الستراتيجي ؟
مَن الذي يملك الجرأة في الأقدام على مثل هذه الخطوة " مكافحة الفساد " ، بدءا ً من الرؤوس الكبيرة ؟
فيما لو تعذر أن يحصل الذي ذكرناه في المستقبل القريب . فيا ترى !
كيف سيكون مستقبل كوردستان في ظل تطور هذه الظاهرة مع نمو التيار الأسلامي ؟
ألم يتم أستغلال مثل هذه الظروف من قبل المناوئين وحتى بعض المشاركين في التجربة الكوردستانية للقيام ب " ثورة في الثورة " وبأساليب شتى ، بعد أن أعادوا البعض تنظيمها مؤخرا ً ليتم أستغلال الناس البسطاء تحت ستار أو غطاء الدين ؟
نتمنى أخيرا ً أن يكون " التيار القومي " سيدا ً للموقف في كل زمان ومكان في كوردستان !!!
ألمانيا في
27 / حزيران / 2008

الثلاثاء، 10 يونيو 2008

عن القَسَم المهني أوالوظيفي !


بقلم / حسين حسن نرمو
h.nermo@gmail.com
1. في صيف عام 1984 ، تخرجنا من الكلية في جامعة الموصل / العراق ، حيث العراق آنذاك ، شهد أطول حرب خاضه النظام البائد ضد أيران والمعروف بالحرب العراقية الأيرانية على مستوى العالم ، حسب النظام المعمول به عسكريا ً في تلك الفترة يتم تجنيد الخريجين إلى كلية الضباط الأحتياط في العاصمة بغداد / معسكر الرشيد لغرض أجراء الفحوصات الطبية واللياقة البدنية ، ثم تدريبهم على " المشاة " لمدة ستة أشهر ، يتم تصنيفهم بعد ذلك وحسب الأختصاصات إلى دورات تدريبية أخرى على الصنف لمدة ثلاثة أشهر وزجهم بعد ذلك في طاحونة الحرب التي لم تظهر في الأفق حينذاك نهايته . في نهاية كل دورة ، هنالك حفل تخرج ، يحضر كبار الضباط من مختلف صنوف الجيش العراقي ويحضر أيضا ً ممثلا ً عن القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية حينذاك ليسمعوا جميعا ً القَسَم " أ ُقسم بالله العظيم .... " الذي يردده الضباط المتخرجين من كل دورة بأن يكونوا أوفياء للعهد الذي قطعوا على أنفسهم لخدمة الوطن .
تسرحنا " خريجي الكليات العلمية " فيما بعد ، بضغط من منظمة اليونسكو العالمية على الحكومة العراقية حينذاك والذي حُدد فترة الخدمة لخريجي الكليات العلمية كما أسلفنا ، لكن للأسف خلال فترة معايشتنا في الخدمة العسكرية والتي دامت ثلاث سنوات ، بأن معظم الضباط إن لم نقل جُلهم وعلى مستوى عال من الرتب العسكرية من الذين عاشرتهم وعن قرب بحكم عملي كمهندس مشرف على المخازن والعجلات المبردة والمجمدة ومعامل الثلج الميدانية في سلوكهم وتصرفاتهم الميدانية لم يكونوا أهلا ً ل " القسم " الذي رددوه وفق المبادئ التي من المفروض السير عليها .
2 . في صيف عام 1988 ، كنت في زيارة عمل ميدانية إلى ناحية العياضية التابعة لقضاء تلعفر للأشراف على طلبة المعهد الفني بعد التسريح من الجيش والعمل في مؤسسة المعاهد الفنية لوزارة التعليم العالي العراقي كتدريسي ، حيث كان تحت أشرافي أحد الطلبة الذي لديه تطبيق عملي في المركز الصحي للناحية أعلاه ، بعد الأطلاع على الحالة التطبيقية للطالب ، كان لا بد من مصادقة رئيس المركز على التقرير المعد من قبلي لتقديمه إلى الجهات ذات العلاقة فيما بعد ، لذا لا بد لي من التعرف على شخصية ذلك المدير والذي كان طبيبا ً من المتخرجين الجدد ، حيث من لكنة اللهجة التي تحدث بها معي ، تبين لي أنه من داخل مدينة الموصل " مصلاوي " ، لكن من خلال حديثه ولحيته الخفيفة ، يشير إلى أنه أسلامي الفكر والتوجه خاصة حينما أقترحت عليه بعد التعارف بمحاولة نقله إلى مناطق أخرى قريبة من مدينة الموصل ، كناحية بعشيقة أو قضاء الشيخان على سبيل المثال لا حصرا ً . لم أكن أتوقع أبدا ً الرد من قبله بذلك الأسلوب الذي لا يليق بمهنته كطبيب فقط ، حيث قال " بأن سكنة المناطق تلك هم أناس يزيديين غير مؤمنين وغيرها من الألفاظ النابية التي لا أود ذكرها ....... " . إذن ! أين هو ذلك الطبيب وربما آخرين كثيرين من الرسالة الأنسانية وفق المبادئ التي تم تدريسها في الكلية على مدار ست سنوات ؟ وأين هو من ذلك القسم الذي ردده بعد التخرج مع زملاءه من أجل أن يكونوا أمناء ، حاملين تلك الشهادات ليتعاملوا مع كل الناس بنفس المستوى ؟ بالطبع حينما عرّفت نفسي له أكثر بأنني أحد ابناء تلك " الأقلية المنبوذة " من وجهة نظره ، كان الموقف محرجا ً جدا ً بالنسبة له ....
3 . الفقرتين أعلاه 1 و 2 ، تحدثنا عن حالتين في الماضي ربما البعيد ، لكن المرحلة الأهم بالنسبة لنا هي " الحاضرة عراقيا وكوردستانيا ً " بعد التغير الذي حصل بزوال النظام البائد عن كاهل الشعب العراقي بعربه وكورده وأقلياته .
عراقيا ً : بعد التحرير أو الأحتلال ، شُكل مجلس الحكم ، أ ُجريت أنتخابات ، دخلوا النواب البرلمان ، شُكلت حكومات وفق مبدأ المحاصصة أحيانا ً وبالتوافق أحيانا ً أخرى حسب رؤية القائمين على الحكم في العراق ، أبتعد البعض من التيارات والأحزاب عن العملية السياسية خلال الخمس سنوات بعد التغير غير راضين لا بل البعض معترضين اساسا ً على الدستور العراقي الذي أجتاز الأستفتاء وسط صعوبات جمة . إذن خلال الفترة الماضية والتي تجاوزت نصف عقد من الزمن على النظام الجديد في العراق نحو الديمقراطية ، برزت على الساحة الكثير من الشخصيات سواءا ً كانوا رجال دين أو رؤساء أحزاب مع قياداتها ، تم أختيار الكثير من منهم ليصبحوا نوابا ً في البرلمان ووزراء في الحكومات المتتالية ، بدءا ً من حكومة الدكتور علاوي مرورا ً بحكومة الدكتور الجعفري أنتهاءا ً بالحكومة الحالية التي يقودها المالكي ، لكن للأسف كان هنالك اختراق للبرلمان والحكومات بمؤسساتها من قبل أناس معادين أصلا ً للعملية السياسية والتغير الذي حصل في العراق ، نعتقد بأن هذه الظاهرة موجودة لحد الآن لم يتم معالجتها رغم المحاولات ، بل تم التعامل معها على اساس مبدأ المساومة بين الأطراف السياسية في الساحة العراقية الحالية " هذا عائد إلى فلان والآخر إلى علان وهكذا ... " . أكثرية الذين تسنموا المناصب وفق " قسم " مرسوم لهم يرددوها على أن يكونوا أوفياء ، أمناء على الوطن الجريح ، لكن حالما أستلموا مناصبهم ، تم أستغلال صلاحياتهم بالأنحراف عن الخط العام والمبادئ التي طالما تشدقوا بها أمام الملأ ، لذا وعلى اثر ذلك شُكلت لجنة النزاهة بفروعها ، لكنها ربما توفقت في عملها وفي بعض الحالات على مستوى الأدارات المحلية في المحافظات فقط ، أما على مستوى الحكومة المركزية في بغداد ، لم توفق في عملها ربما نتيجة التهديد والوعيد من الأرهاب والأرهاب المضاد ايضا ً ... يا ترى ! هل أوفوا بالقسم الذي رددوه ليتعهدوا أخوتهم العراقيين أن يكونوا أوفياء لهذا الوطن الذي شاء قدره أن يكون ويبقى جريحا ً نتيجة مغامرات الذين حكموه منذ تأسيس الدولة على مدار تسعة عقود من الزمن ؟
كوردستانيا ً: بعد أنتفاضة آذار المباركة عام 1991 ونتيجة مغامرات النظام البائد باحتلال الكويت ، حصل الكورد على منطقة آمنة بقرار دولي ، ليتنفسوا الصعداء بعد رحلة طويلة من النضال ضد الأنظمة الدكتاتورية المتعاقبة التي حكمت بالحديد والنار العراق ، تم أنتخاب أول برلمان كوردستاني في مايو 1992 ، لتتوالى تشكيل حكومات ، موحدة تارة وأحادي القطب تارة أخرى في اربيل والسليمانية خلال عقد ونيف من الزمن ليتم تعين اعضاء البرلمان من الحزبين الرئيسيين والأحزاب الأخرى وكذلك الوزراء من اكثرية التنظيمات والتيارات الموجودة في كوردستان الوطن ، معظمهم رددوا " كليشة القسم " أمام المنابر الرسمية والشعبية أيضا ً ، ليكونوا عند حسن ظن مسؤوليهم والمواطنين ، لكنهم ابدعوا في مجال الفساد الأداري والمالي أكثر حتى من أن يكتسبوا الخبرات في المجال الذي عملوا فيه ، هنالك مَن فشلوا في مهامهم أيضا ً . فيا ترى ! كم من هؤلاء الفاشلين في المهام المرسوم لهم أبدوا أستعدادهم بالتنازل عن مناصبهم أو قدموا أستقالاتهم لأعطاء المجال لآخرين أكفاء أكثر منهم ؟ هذا ناهيك عن الكثير من المسؤولين الحزبيين أو حتى الأداريين الذين قدموا تعهدات أو حتى أقسموا ب " دماء الشهداء " من خلال خطبهم الرنانة أمام الجماهير ، بأن يعملوا ما في وسعهم للدفاع عن حقوق المظلومين ، المناضلين وكذلك الشهداء الذين سقوا بدماءهم أرض كوردستان الطاهرة من أجل المبادئ التي آمنوا بها لتحرير كامل الأراضي المنتزعة من كوردستان ، ليعم الديمقراطية في أرجاء البلاد . لكن للأسف والظاهر للعيان بأن التعهدات تلك صبت وتصب في خانة المصالح للذين ساروا عكس تيار التحرر والديمقراطية . وإلا ! ماذا يفسر بأن هؤلاء الذين كانوا حتى الأمس القريب في خانة العداء للحركة التحررية الكوردستانية ، ليصعدوا الآن على أكتاف المناضلين وعلى حساب دماء شهداءنا الأبرار بعض المناصب المهمة ، سواءا ً كان على مستوى عراق المركز أو كوردستان أيضا ً ، البعض الكثير منهم مقرّبين من " قيادتنا المناضلة " ، يستلمون بين الحين والآخر المكارم من لدنها من السيارات الفارهة وعشرات الآلاف من الأوراق الخضراء ؟ حتى بات في الفترة الأخيرة يقضون هؤلاء استراحتهم مع العوائل في نعيم أوربا على حساب الميزانية المفتوحة !!
إذن ! هل هؤلاء الذين يمنحون الفرص لهؤلاء ..... هم فعلا ً أهلا ً للثقة الممنوحة إليهم من مواطنيهم ؟
هل أعطوا القيمة الحقيقية للقسم أو التعهد الذي رددوا ويرددون أمام الجهات الرسمية أو الشعبية من خلال خطبهم كما أسلفنا ؟
هل نحن في حاجة إلى القسم والتعهدات أصلا ً في مثل هذه الظروف التي تكون العلاقة مبنية على الثقة المتبادلة ، حتى لوكان الطرف الآخر هو المعادي ؟
أليس القسم سيكون حملا ً ثقيلا ً على كاهل المتدّينين من هؤلاء في دنيا الحاضرة والآخرة ؟
هذا ما أردنا أن نختتم مقالنا هذا ...
المانيا في
التاسع من مايو 2008